عزيزة بابور ؛تكتب العنصرية والدولة . ترتيب العشوائيات (الفوضي)3

العنصرية في السودان وأثرها على الفكر والمجتمع
✍️ بقلم عزيزة بابور.
العنصرية هي التمييز بين الناس على أساس العِرق أو اللون أو القبيلة أو الجهة أو الدين، وتظهر في شكل احتقار أو ظلم أو استبعاد لفئة معينة من الناس.
في السودان، قد تأخذ العنصرية أشكالًا مختلفة:
عنصرية قبلية (دارفوري، نوباوي، شمالي، شرقاوي…).
عنصرية لونية (أسود/أفتح).
عنصرية جهوية (ناس العاصمة ضد ناس الأقاليم، أو العكس).
وأحيانًا ثقافية أو لغوية (احتقار اللهجات المحلية أو الثقافات المختلفة).
أسباب انتشار العنصرية في السودان
1. ضعف الوعي الوطني وانهيار مفهوم المواطنة بعد الحروب الطويلة.
2. الإرث التاريخي؛ فالاستعمار والعبودية خلّفا آثارًا نفسية عميقة.
3. الجهل وضعف التعليم، مما جعل الناس يتمسكون بالانتماءات القبلية.
4. استغلال السياسة للقبيلة في الانتخابات والمناصب.
5. ضعف العدالة الاجتماعية، مما جعل الظلم والتهميش يسودان بين المواطنين
آثار العنصرية
*تمزيق النسيج الاجتماعي.
*فقدان الثقة بين مكونات المجتمع.
*استمرار الحروب والنزاعات.
*ضعف التنمية الوطنية بسبب غياب روح التعاون.
*تشويه صورة السودان أمام العالم بأيدي بعض ضعاف النفوس من أبنائه.
سبل التخلص من العنصرية:
1. التربية والتعليم
*إدخال مفاهيم الوحدة، التسامح، وقبول الآخر في المناهج الدراسية.
*نشر ثقافة المساواة في المدارس والجامعات.
*محاربة اللغة العنصرية في الحياة اليومية والإعلام.
2. القانون والعدالة:
*سنّ قوانين تجرّم الخطاب العنصري والتحريض القبلي.
*تطبيق العدالة دون تمييز بين القبائل أو الجهات.
*مكافحة خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي.
*التأكيد على أن الله خلق الناس شعوبًا وقبائل لتعارفوا لا ليتفاخروا.
الطريق نحو مجتمع سوداني متصالح:
إن التخلص من العنصرية لا يتم في يومٍ واحد، بل هو مسار طويل من الوعي والإصلاح يبدأ من الفرد، فالأسرة، فالمدرسة، فالمجتمع، ثم الدولة.
أولاً: ترتيب النفس
لا يمكن بناء دولة منظّمة من أفراد يعيشون فوضى فكرية وعشوائية في التصرف.
1. معرفة الذات: يبدأ الإصلاح من معرفة الشخص لنفسه — نقاط ضعفه، دوافعه، وعاداته الفوضوية.
> “من لم يضبط نفسه لا يمكن أن يضبط مجتمعه.”
2. الانضباط الشخصي:
الالتزام بالمواعيد، النظام في البيت والعمل، والنظافة — ليست تفاصيل، بل تدريب على احترام القانون.
3. إدارة الوقت والأولويات:
الترتيب الذهني يبدأ من معرفة “ما هو الأهم الآن”، بدلاً من العشوائية اليومية.
4. التحرر من الكسل والعشوائية:
الفوضى غالبًا ناتجة عن ضعف الإرادة، لذلك لا بد من تربية النفس على الاجتهاد والانضباط الذاتي.
ثانياً: ترتيب الفكر
1. إعادة بناء المفاهيم:
نحتاج إلى مراجعة مفاهيم مثل:
*الحرية ليست فوضى.
*المصلحة العامة مقدّمة على الفردية.
*النظام ليس قيدًا، بل وسيلة للكرامة.
2. نشر ثقافة التفكير النقدي السليم:
أي عدم اتباع كل رأي أو عادة بلا تفكير عميق، لأن التفكير المستقل المنضبط هو أساس التغيير الحقيقي.
3. محاربة الجهل والتعصّب:
لأن الجهل هو البيئة الخصبة للفوضى والعشوائية، فالتعليم الواعي والمستمر — رسميًا وشعبيًا — هو الطريق للإصلاح.
ثالثاً: ترتيب المجتمع
1. القدوة والنماذج:
حين يرى الناس قدوات صادقة وملتزمة بالنظام، يتغيّر السلوك العام.
2. إحياء قيم التعاون والمسؤولية:
يجب نشر روح “نحن مسؤولون معًا”، وليس “كل زول براهو”.
3. المؤسسات التربوية والإعلام:
عليها واجب ترسيخ النظام، والاحترام، والانتماء منذ الطفولة.
رابعاً: دور الدولة
*حين يُصبح الفكر والنفس منضبطين، عندها فقط يصبح القانون فعّالًا والنظام مستقرًا، لأن الناس لا يُجبرون عليه، بل يؤمنون به.
*علاقة الدولة بالفكر والمجتمع تقوم على نشر التوعية الفكرية ومحو العشوائيات، فالدولة هي القائد الفكري والتنظيمي للمجتمع، ودورها لا يقتصر على سنّ القوانين فقط، بل يمتد إلى بناء الإنسان الذي يعي هذه القوانين ويؤمن بها.
ويتحقق ذلك عبر محاور أساسية:
1. التعليم الهادف
*إصلاح المناهج لتنمية التفكير النقدي والانتماء الوطني.
*التركيز على القيم والسلوكيات، لا على الحفظ فقط.
*إدخال مفاهيم النظام، والعمل الجماعي، والنظافة الفكرية والاجتماعية منذ الصغر.
2. تحسين مستوى المعيشة والخدمات
*توفير السكن الملائم والخدمات الأساسية.
*بسط الأمن والاستقرار ونشر السلام والطمأنينة.
*حفظ كرامة الشعب بعيدًا عن الإقصاء والتهميش.
3. الإعلام والتوجيه العام
*توظيف الإعلام لنشر ثقافة النظام، والمسؤولية، والاحترام المتبادل.
*محاربة العشوائية الفكرية في الخطاب الإعلامي، والتخلص من ثقافة الفوضى والجدال العقيم.
4. القدوة والنموذج:
حين يرى الناس أن المسؤول نفسه منضبط وصادق، سيتولد لديهم احترام داخلي للنظام.
فالدولة تُربّي بالقدوة أكثر مما تُرهب بالعقوبة.
عندما ينضبط الفكر والنفس، يصبح القانون فعّالًا ليس لأنه يفرض النظام، بل لأنه يعكس قناعة الناس به.
فالدولة الناجحة هي التي تُربّي مواطنًا منظمًا بالفكر، قبل أن تُنظّم سلوكه بالقانون.
حينها:
لا يحتاج الشرطي إلى رقابة، لأن الضمير هو الرقيب.
ويصبح احترام النظام جزءًا من الأخلاق، لا نتيجةً للخوف من العقوبة.
كيف التحرر من قبضة العجز (الحرب )؟
نتابع…


