اعمدة ومقالات

عبق الحروف.. آمال عثمان… حكاية إرادة

تبني ذاكرة وطن

بدرالدين عبدالقادر

في أوقات التحولات الكبرى التي تمر بها الأوطان و الأمم مرورا بما تمر به بلادنا من تغيرات وواقع سياسي وثفافي واجتماعي مختلف لا تكون معركة البناء مقتصرة على تشييد الطرق والجسور والمباني والمسارح الميادين فحسب بل تمتد لتشمل بناء الوعي وصيانة وترميم مابقي من الذاكرة الوطنية. فالأوطان التي تحفظ تاريخها وتوثق إرثها الثقافي والمعرفي هي الأقدر على استعادة عافيتها من بعد الدمار الممنهج والمضي بثقة نحو المستقبل.
وفي هذا السياق تبرز الأستاذة آمال عثمان الحسين أمين المكتبة الوطنية بمثابة وجهًا آخر للنجاح في بلادنا ونموذجًا للمرأة السودانية التي استطاعت بعزيمة راسخة أن تضع بصمتها في مشروع معرفي بالغ الأهمية.
فالمكتبة الوطنية ليست مكان تُحفظ فيه أوعية المعلومات بل هي صرح معرفي ومؤسسة ثقافية يُعوَّل عليها لتكون ذاكرة السودان الحية، تحفظ تراثه الفكري وتوثق مسيرته الحضارية وتقدم للأجيال القادمة مفاتيح فهم الماضي واستشراف المستقبل. ومن هذا المنطلق ظلت الأستاذة آمال تعمل بجدٍ واجتهاد، ليلًا ونهارا من إقامتها لتلك الورشة بمدينة بورتسودان التي نوقشت فيها قضايا المكتبة الوطنية لمابعد الحرب حضرها لفيف من المختصين وكان ذلك من أجل وضع رؤية طموحة تعيد للمكتبة الوطنية دورها الريادي كمؤسسة حاضنة للمعرفة ورافعة للوعي.
وقد بدت ملامح هذه الرؤية واضحة خلال متابعتي للقاء إذاعي استضافتها فيه إذاعة ولاية القضارف حيث قدمت تعريفًا شاملًا برسالة المكتبة الوطنية وأدوارها كما كشفت عن عدد من المشروعات التي تستهدف مرحلة ما بعد الحرب في إطار جهود التعافي الثقافي والمعرفي التي تحتاجها البلاد.
ومن أبرز هذه المشروعات خطة خمسية طموحة لتطوير المكتبة الوطنية تتضمن إنشاء مقر جديد بمواصفات حديثة يضاهي كبريات المكتبات في العالم العربي إلى جانب مشروع رقمنة المحتوى الورقي للمكتبة بما يواكب متطلبات العصر الرقمي ويضمن حفظ الإرث الثقافي والمعرفي للسودان وإتاحته للأجيال القادمة.

كما حملت هذه الرؤية بعدًا تنمويًا مهمًا تمثل في افتتاح فرع للمكتبة الوطنية بمدينة القضارف ليكون نافذة مشرعة للمعرفة في الولاية ومركزًا ثقافيًا يسهم في تعزيز القراءة والبحث العلمي ويوسع دائرة الاستفادة من خدمات المكتبة خارج العاصمة.

إن ما تقوم به الأستاذة آمال عثمان الحسين يبعث برسالة واضحة مفادها أن معركة المعرفة لا تقل أهمية عن معركة البناء وإعادة الإعمار. فالمكتبات ليست مجرد مخازن للكتب، بل هي حصون للهوية وبيوت للذاكرة الوطنية.
وفي نهاية المطاف تبقى مثل هذه الجهود جديرة بالدعم والاهتمام لأن الأمم التي تصون ذاكرتها وتحتفي بعلمها ومعرفتها هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها بثقة واقتدار. وهنا تمضي آمال عثمان بثبات حاملة مشروعًا كبيرًا ومؤمنة بأن المكتبة الوطنية يمكن أن تصبح يومًا بيت الذاكرة السودانية وملتقى المعرفة لكل السودانيين… وتلك حكاية إرادةٍ لا تبني مؤسسة فحسب بل تبني ذاكرة وطن.
نفحة من آخر العبق
ياشباب اليوم اسمعني جوابا
يقتنيه الجيل في الدنيا كتابا

Mariod Ads

مريود برس دقة الخبر واعتدال الرأي موقع إخباري شامل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى