مبارك الطيب يكتب: السلاح المنسي

السلاح المنسي
مبارك الطيب الزين
mubazain14@gmail.com
أكبر قطاع حيوي وأخطرها علي الإطلاق وأكثر ما تعرض لتدمير غير اعتيادي، خاصة إذا أمعنت في أنواع الخراب الذي تعرضت له الدور والمؤسسات الحكومية والقطاعات الأخري طيلة فترة الحرب التي اندلعت شرارتها 15 أبريل 2023 ولم يُخمد أوارها حتي يومنا هذا، والتدمير الممنهج الذي طال هذا القطاع تكاد تفتقر لغة الدين والضاد الثرة أن تجود بتوصيفٕ دقيقٕ أو تعبيرٕ مناسبٕ له، ولا يتم هذا التخريب المقصود في حد ذاته بهذه المنهجية في تقديري إلا من وحي معلومات وفرها كوادر الداخل المتعاونين والمنتمين لهذا القطاع المسيسين. القطاع الوحيد الذي كان شامة إبّان فترة (البشير) إذ أنه أكبر قطاع تم اختراقه باكرا من قبل تكوينات (قوي الحرية والتغيير ) التنظيمية وغدا المحرك لمظاهرات ما يُسمي بثورة ديسمبر 19 ديسمبر 2018 بالسودان حشداّ وتأييدا حراكاً فاعلا صانعاً للأحداث ومستثيراً للمواكب المليونية، وهو القطاع الحيوي الوحيد الذي استفاد من حكومة (حمدوك) فائدة كبري، لم يسبقه عليها ولا حتي العاملين بوزارة الدفاع ولا الصحة و لا التعليم..، وقد كانت حجة لجنة هذا القطاع المشكلة والمعنية بتعديل الهيكل الراتبي للعاملين وتحسين الأجور قوية ومسنودة تنظيمياً وسياسيا، حجتهم الأساسية إذا كان الأمر أمر ربط، فنحن إيراداتنا وإسهامامتنا في الميزانية العامة للدولة والموازنة تتجاوز الربط في بند الإيرادات القومية العامة وفق مؤشرات الإيرادات القومية لوزارة المالية الاتحادية، وهي بهذا لا تقل عن الجمارك والضرائب الإيراديتين ..وإذا كان الأمر أمر ربط كما تقول أدبيات دوائر مؤسسات المال الإيرادية، فالمساواة في الظلم عدالة. وتمت تحسين الأجور كحالة استثنائية فريدة في تاريخ وزارة المالية إبّان حكومة (قحت) وتمت زيادة مرتبات العاملين بهذا القطاع تحديداً بنسبة مئوية عالية، فصاحب أعلي درجة وظيفية زاد مرتبه بفضل التعديل إلي مليار وتسعمائة.. 1971 جنيهاً بنسبة زيادة وقدرها 327% وصاحب أدني درجة وظيفية أصبح يتقاضي 765 جنيهاً بنسبة زيادة وقدرها 262% ، وهي زيادات كانت خارج الميزانية مع بداية الربع الأخير من الموازنة لذات العام، وهذا التعديل في زمانه كان نقلة فارقة عن سياق تقليد إدارة الأجور بوزارة المالية ولجانها الفنية، فكان حدثاً بالنظر لسعر صرف الحنيه السوداني في السوق الموازي لتلك الحقبة. وهنا لا تعنينا زيادة الأجور كحالة منفصلة، وإنما العاملون بهذا القطاع يستحقون أكثر من ذلك خاصة الكادر الوطني المتفان في عمله المؤدِ ما عليه من واجب بإخلاصٍ ونكران ذات.
كانت أداة تحقيق المكتسبات المستحقة للجنة العاملين المعنية بتعديل الأجور وقتذاك وسلاحهم الفعّال لرفع كفاءة الأداء وتحقيق الرضا الوظيفي.. الإضرابات والتي بدأت للأيام الأولي بالإضراب المفتوح في جميع أنحاء البلاد ثم الإضراب رقم واحد علي طريقة البيان رقم واحد.. تخفيض التوليد المائي والحراري بنسبة 20% مع التهديد لوصوله الصفر والإظلام التام للبلاد… إنه قطاع الكهرباء بالسودان. وكانت إحدي أساليب الإضراب الامتناع عن الاجتماعات الدورية وعن رفع التقارير اليومية، والامتناع عن أداء الإجراءات الإدارية والفنية، والامتناع عن أداء الصيانة المبرمجة والأعمال الروتينية المبرمجة..، إلي أن وصل الحال تسليم وزارة الطاقة والنفط التي يتبع لها القطاع السيارات العاملة بمجال الطوارئ كان ذلك بتحريض من أحد كوادر (الحرية والتغيير) وعضو لجنتها المركزية والذي زارهم بمقرهم محرّضاً إياهم علي التصعيد والإضراب.. وللإضرابات تلك كان العاملون يحضرون لمكاتب العمل بشركات الكهرباء الخمسة ولا يقومون بمهامهم.
وبدأ مسلسل الخراب منذ الربكة الثورية التي اُبتلبنا بها وهوس لجان الخراب المجتمعي من أجل الإعمار وبناء وطن بالعراقيل والمتاريس والشلل التام بالإضرابات والعصيان المدني الذي كان، أن قاد هذا الهوس الثوري التخريبي من سلمية الشارع في ظاهره منتقلا ومتزحلقاً إلي مؤسسات الدولة عدواناً واعتداءاً علي البنية التحتية بأيادي التخريب خُفية واختلاسا، وهي المؤسسات التي ظل جرحها ينزف حتي يومنا هذا وعلي رأسها قطاع الكهرباء.
وتتواصل حلقات مسلسل التخريب إلي أن وصلنا مرحلة توقف شراء الكهرباء في السودان بسبب تعطل نظام “سودافند” وهو النظام الإلكتروني والذي من خلاله يتم تغذية وشراء الكهرباء عبر التطبيقات أو بالشراء المباشر عبر نوافذ مكاتب توزيع الكهرباء المنتشرة علي طول البلاد وعرضها، وأصبح من الصعوبة بمكان لأي مواطن شراء كهرباء “والثورة مستمرة” سواء شراء بشكل مباشر من المكاتب أوعبر التطبيقات.. وتوقف النظام عمداً بسبب التصعيد وسلسلة الإضرابات ولنقص الوقود الذي يُستخدم لتشغيل مولدات الكهرباء وكانت تسرق مكيفات تبريد محطات التوزيع التي لا غني عنها لكيبلات غاز التحكم الآلي ..الأمر الذي أدي في النهاية إلي قصور في إمداد الطاقة التشغيلية لمولدات تشغيل النظام، كانت هذه المولدات تسرق في ظل الهياج الثوري آنذاك وكثير ما دخل عمال المحطة أو المكاتب ليجدوا أن جهازاً أساسياً أو مولداً مفقوداً!..فمن ذا الذي كان وراء هذا الخراب والذي نتج عنه مرحلة…شرعنة الكباري والجبادات كبديل حتمي عن شراء الكهرباء عبر النظام الإلكتروني “سودافند” المعطل، ولكي لا تتوقف المستشفيات والمصانع والجامعات وكل مؤسسات الدولة وقطاعاتها الحيوية إذ لابد من حتمية التوصيل (كباري جبادات)..، ومن هنا بدأ الهدر والفاقد البنيوي والمادي في هذا القطاع الحيوي تحديداً والذي لازم السودان إلي يومنا هذا…ولا ننسي عندما دان الأمر لحكومة الفترة الانتقالية قوي الحرية والتغيير (قحت) وشريكها المجلس العسكري (أبريل 2019-أكتوبر 2021 ) اقدمت لجنة إزالة التمكين بدعوي تفكيك نظام الثلاثين من يونيو علي طرد خيرة المهندسين المميزين العاملين في المحطات وكانوا بالعشرات فصلوا من قطاع الكهرباء بحجة ولاءهم لفلول النظام السابق، وكان أن تعاقدت دول النقط وعلي رأسها السعودية فوراً مع العديد منهم ساعة فصلهم وبمرتبات عالية جداّ وصلت مبلغ العشرون ألف ريال.
ثم اندلعت الحرب وكان قطاع الكهرباء إحدي أدواتها فالحرب فيه قد قطعت أشواطا بعيدة قبل 15 أبريل2023 بكتير.. ففي رحي الحرب وسلسلة الإنحدار والتدهور المستمر.. من هو المستفيد من خلع أسلاك الكهرباء من الخطوط وأبراج الضغط العالي وأسلاك النحاس في كل المدن والولايات التي كانت في قبضة (الدعم السريع) لتنهش بهذا الشكل الذي فاق طريقة وأسلوب تتار هولاكو في تخريب بغداد، ومن الممول الذي خلق سوقا للطلب العالي لشحن الأسلاك وأسلاك النحاس والمحولات؟ ليتسابق عليه السُوقة والدهماء واللصوص عابري القارات المنتمين لمليشيا الهالك حميدتي ومرتزقته ليكون التخريب لقطاع الكهرباء في السودان ونهبه بهذا الشكل وهذه الكيفية، من الذي خلق سوق صادر النحاس والمحولات وزيوت المحولات السحرية التي لم تكن معلومة بقدرتها علي تحويل خصائص كل شئ الأمر الذي لم يكن معلوما لا لخواص الناس ولا العوام..من الذي فكر وقدر ومول.. إنها جريمة القرن والتي قطعاٌ لا يمكن أن تتم إلا بدعم وعون محلي وتنسيق دولي، وإلا من الذي جلب آلات الحزم والتحميل ليُعد النحاس والأسلاك كمكعبات البرسيم والعلف، من الذي نظم سرقة أطناناً من النحاس الخاص بشبكات الكهرباء ليُحطم كل كيبل وبرج ومبني ومحول وكيان ومنظومة يدخل النحاس كجزء ضمن مكوناته لاستخراج معدن النحاس وتجميعه وبيعه بعد أن يُصهر في أفران مخصصة ليباع الطن الواحد في بورتسودان بي 500 دولار ويُصدر لاحقا وكان يباع الطن بالخارج 6000 دولار، وظل (سوق النعام) بمنطقة أبيي الحدودية التي تديرها بعثة الأمم المتحدة إحدي محطات عرض صادر النحاس المنهوب، وواحدة من حلقات تخريب هذا القطاع الذي يمس حياة المواطن قبل الدولة بصورة مباشرة، وكان أن أفاد أحد المسؤولين مؤخراً أن المحولات المنهوبة والمخربة تقدر حتي الآن بي 60 ألف محول منها 14 ألف محول كهربائي فقط في ولاية الخرطوم متفاوت الأحجام خلافاً للتي تم تخريبها بغية حلب زيتها ومحتوياتها، مستعينين في كل ذلك بفنيين زودوهم بخرائط توضح أماكن خطوط الكهرباء ومواقع كابلات المحولات لاقتلاع الكابلات ونهب المحولات، وقد يُدفع مقدماّ سعر الطن بالدولار (بسوق النعام) بأبيي لبلطجية عصابات ضباط مليشيا آل دقلو قبل جلبه واستلامه ليجد الجرار محملا بأطنان النحاس طريقه إلي دولة جنوب السودان، ويعاد تدوير الكميات المحملة في شكل لفائف أسطوانية في منطقة جنجا الأوغندية ومن مومبسا كينيا ينتظهرها علي شاطئ ميناء تشيناي الهندي التجار الهنود.
فالذي حدث ويحدث في قطاع الكهرباء في ظل الحرب البشعة هذه والتي تكاد تكمل عامها الثالث أمر غير عادي كما أسلفت ..حتي يومنا هذا المسيّرات العدوانية التي اطلقتها وظلت تمطر بها المليشيا مستهدفةً محطات الكهرباء التحويلية والرئيسية وأحياناً محطات التوليد المائي والحراري (بالملّ ولا تجلي) فمن يرفع الإحداثيات محدداً أهمية الهدف ولا أظني أبالغ إذا قلت تكاد تكون المسيّرات التي أُطلقت علي أهداف الكهرباء أكثر من تلك التي أُطلقت علي الأهداف العسكرية الثابتة والمتحركة وفي النهاية الجريمة واحدة والعدو واحد، والذي يؤكد ما اسهبت فيه ..تمت صيانة محطة كهرباء المرخيات صيانة كانت تؤدي لاستقرار الكهرباء أو تسهم اسهاماً كبيراً في استقرار الكهرباء بصورة عامة، فكانت الصيانة اليوم والمسيرة في اليوم التالي علي الموعد!
وبما أن الكهرباء والطاقة عموماً في واقع اليوم هي إكسير الحياة، فمن هذه المعلومات والحيثيات لا يُنظر لقطاع الكهرباء وما طاله من تخريب شأن عادي في ظل الحروب أو أنه لا يخرُج عن كونه نشاط تخريبي هدام أصابه ما أصاب الجميع، وإنما ظلّ قطاع الكهرباء في السودان عبر سنين الاستهداف والتآمر الدولي والداخلي أداة حرب وسلاح ضمن تشكيلة منظومة الاستهداف الكبري الداخلية والخارجية التي تعرضت وتتعرض لها بلادنا والتي بدأت بخطط ممرحلة.. اختراق ثم تموضع في موضع اتخاذ القرار..مضاعفة المرتبات عن طريق النضال الثوري بأرقام فلكية بغية تحريض القطاعات الأخري وإنهاك الميزانية في فصلها الأول وهي زيادات أجور كأنما هي في إطار هذا التخريب الممنهج مكافأة أو أنها حافز نهاية شغل أو حافز الأداء علي الخراب!.. انضاج الظروف عبر المراحل المتواترة مظاهرات اضرابات اعتصامات ساعة الثورة وأثناء حكومة (السفارات) حكومة الفترة التخريبية ثم الاستباحة التامة والانقضاض الذي شاهدناه ونشاهده في واقع اليوم.
رغم التحسينات الكبيرة للأجور لا تزال قوي كبيرة من العاملين بقطاع الكهرباء غير الفنيين من العاملين المحاسبين والإداريين جالسين بمنازلهم في إجازة مفتوحة أو في بلاد المهجر ويتقاضون أجورهم بالمليارات من ضرع وطنٍ ينزف وموارد بلدٍ ميزانيته عجفاء لم يخلفها الجهد وإنما أنهكهتا الحروب وخيانة الأمانة من بعض أبنائه..ولا زالت الأسلاك أسلاك الضغط العالي والأبراج وخطوط النقل تحت أرجل ستات الشاي في مواقع وفي مواقع أخر مرابط للخيل والحمير تتدلي أسلاك الكهرباء علي الطرقات لدرجة أن يخشي الراكب علي سيارة نقل وهي تسير في شوارع الخرطوم علي نفسه وسيارته وعفشه.
ما سطرته هنا في هذا المقال لا يُقلل من قيمة العاملين بقطاع الكهرباء ولا يقدح في وطنية الكوادر الوطنية العاملة، ولا يعني ما تفضلت به أن كل العاملين بقطاع الكهرباء تعوزهم الهمة الوطنية أو أنهم كلهم خونة وبلا أخلاق..وإنما الكوادر الخُلّص المهمشين والمغيبين بقطاع الكهرباء ناكري الذات الذين يواصلون الليل بالنهار رباطاً وصبراً كداً واجتهاداً وما أكثرهم، ولا يشابههم في ذلك إلا أفراد قواتنا المسلحة الباسلة الذين يتقدمون الصفوف في معركة الكرامة عراة الصدور باذلي المهج والأرواح رخيصة زوداً عن كرامة وعزة الوطن.
حُررت الأرض السليبة ورُدت الكرامة الحبيسة والسيادة الموؤدة من براثن مليشيا الدعم السريع واتسعت رقعت الاستقلال والتحرير علي الأرض عنوة واقتدارا..ولكن من يُحرر المؤسسات المسيسة خلسة من وراء مجلس السيادة، والتي هي علي البلاد أخطر من المرتزقة والمليشيا البائنة، فالجيش حمي العرض وحارى الأرض ممن يواجهه سلاحاّ بسلاح وجهاً لوجه (عينو فوقو)..، ولكن من لتحرير القطاعات المالية الاقتصادية والصناعية والزراعية والتعليمية بالسودان وكل القطاعات الحيوية تلك والتي أعلاها علي الإطلاق السلاح المنسي (قطاع الكهرباء).


