اخبار

حنان عبد القادر ابكراي تكتب.. السودان بين مطرقة المليشيا وسندان خيانة النخب والدولة

السودان بين مطرقة المليشيا وسندان خيانة النخب والدولة

حنان عبد القادر ابكراي

يشهد السودان في هذه الأوقات مرحلة هي الأشد خطورة في تاريخه الحديث حيث تتداخل المؤامرات السياسية والعسكرية لتستهدف وجود الدولة وتماسك جغرافيتها بشكل مباشر. وما يجري اليوم في المدن السودانية من تدهور مريع للأوضاع ليس مجرد نتاج صدفة أو فشل عابر بل هو انعكاس لضعف مخيف في قيادة الدولة وتواطؤ واضح من نخب سياسية فضلت مصالحها الذاتية على مصلحة الوطن. وتعتبر مدينة الأبيض اليوم نموذجا حيا ومثالا صارخا لهذا الواقع الأليم حيث تعيش تحت حصار خانق وتدهور مريع في الخدمات والمعيشة دون أن تحرك السلطة ساكنا لإنقاذها أو فك العزلة عن مواطنيها.
إن المشهد الحالي يثير الكثير من الشكوك حول طريقة إدارة المعارك والانسحابات الغامضة التي تحدث في عدة مناطق. فبينما يواجه المواطن الحصار في الأبيض وغيرها من المناطق يلاحظ الجميع نمطا مريبا يتكرر بانتظام حيث يتم التراجع عن مدن أو تركها للمليشيات بطرق غير مبررة عسكريا. وحتى في الحالات التي يتم الإعلان فيها عن تحرير بعض المناطق يتفاجأ الشعب بغياب الملاحقة الجادة للقوات المنسحبة مما يتيح لها الفرصة لإعادة التمركز والحشد واحتلال مناطق جديدة. هذا السلوك يرجح وجود تفاهمات خفية وصفقات تدور في الكواليس ويدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يترك وحيدا في مواجهة جرائم القتل والنهب والاغتصاب دون أدنى حماية من حكومة تخلت عن كل واجباتها.
وفي المقابل تبرز خيانة النخب السياسية المعارضة والموالية على حد سواء كعامل أساسي في هذا التفتيت الممنهج بعد أن تحولت هذه المجموعات إلى أدوات تنفذ أجندات خارجية وتستقوي بالقوى الإقليمية والدولية من أجل الوصول إلى مقاعد الحكم. ويرفع هؤلاء شعارات جوفاء يدعون فيها محاربة الإسلاميين أو حماية المدنيين بينما هم في الحقيقة يسهمون بشكل فعال في هدم أركان الدولة وتدمير بنيتها التحتية. إن الصراع المحموم بين الحكومة والمعارضة لا علاقة له بمصلحة الشعب السوداني بل هو سباق أناني نحو سلطة واهمة لن يجد أصحابها في النهاية سوى الركام والدماء ولن يجدوا الوطن ليحكموه وهو ثمن باهظ يدفعونه من كرامة وسيادة بلدهم.
إن هذا الانشغال التام بالصراعات الذاتية والأطماع الشخصية بين النخب والدولة فتح الباب على مصراعيه لإنفاذ الفصل الأخير من المؤامرة حيث انهار البلد تماما وتحول إلى ساحة مستباحة للجميع. ونتيجة لغياب الإرادة الوطنية والقيادة الحقيقية توغلت دول الجوار داخل الحدود السودانية وطمعت في أرضه بشكل علني مستغلة حالة السيولة الأمنية والإنهاك العسكري لاحتلال أجزاء غالية من الوطن. وفي ذات الوقت تعيش البلاد عملية نهب منظم وواسع للموارد والثروات الوطنية التي تتدفق إلى الخارج لتغذية اقتصادات أخرى بينما يفتقر المواطن لأبسط مقومات البقاء.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الحرب والتوغل الخارجي بل تمتد إلى السياسات الاقتصادية الجائرة التي تنتهجها الدولة تجاه من تبقى من الأحياء داخل هذا الوطن المنهار. فبدلا من أن تسعى الحكومة لتخفيف العبء عن المواطن المنهوب والمشرد والمحاصر تفاجئه بفرض ضرائب باهظة وجبايات لا تتوقف مع رفع أسعار السلع والمحروقات بشكل جنوني. هذا المسلك يوضح مدى انفصال القيادة التام عن واقع الناس حيث تحولت السلطة من جهة مسؤولة عن حماية الشعب ورعايته والدفاع عن حدوده إلى أداة تزيد من معاناته وتقصم ظهره في وقت يواجه فيه الموت والفقر والانتهاكات وحيدا دون سند أو غطاء يحميه.
لقد حانت لحظة الحقيقة ولم يعد هناك متسع للصمت أمام هذا التدمير الممنهج والانهيار الكامل لبلد بأكمله. إن استمرار هذا التواطؤ المخزي والعبث بمصير الملايين وترك أراضي الوطن وموارده مطمعا ومغنما للخارج لن يقود إلا إلى ضياع السودان من الخارطة تماما. إن الشعوب لا تنسى من خذلها وباع قرارها الوطني في سوق الطموحات الشخصية والتاريخ لن يرحم قادة تخلوا عن مسؤوليتهم ولا نخبا استقوت بالخارج لتحقيق مكاسب سلطوية واهمة على جثث المواطنين الأبرياء وعلى حساب تراب الوطن وسيادته المستباحة.

Mariod Ads

مريود برس دقة الخبر واعتدال الرأي موقع إخباري شامل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى